بين الإِصلاح في الإِسلام وحَركة الإِصلاح المسيحيّة - مقالات
أحدث المقالات

بين الإِصلاح في الإِسلام وحَركة الإِصلاح المسيحيّة

بين الإِصلاح في الإِسلام وحَركة الإِصلاح المسيحيّة

الأخ رشيد:

أصبح موضوعُ الإصلاح من المواضيع المطروحة بشِدّة على السّاحة بعدما تعالت الانتقادات المُوجَّهة ضِدّ الإسلام ككُلّ بنُصوصِه وتطبيقاته خُصوصًا بعد الموجة الجديدة للإرهاب الإسلاميّ بكُلّ تجلّياتِه، سواء في داعش أو في التّفجيرات وحوادث الدّهس والطّعن.

لكن قبل أن أخوض في موضوع الإصلاح نفسه علينا أن نُحدِّد معنى الإصلاح وما الّذي يحتاج إلى إصلاح. قبل شُهور قليلة قام عبد الفتّاح السّيسي في مصر بحث الأزهر والقِيادات الدّينيّة والثّقافيّة على تجديد الخطاب الدّيني كنوع من الإصلاح. لاحظوا المُصطلحات المستخدمة: تجديد الخِطاب "الدّينيّ"، فالمُشكلة في نظر السّيسي ومن سار على دَربه، هِيَ في الخطاب الّذي يصل من خلاله الدّين. الحقيقة أنَّ المُشكلة ليست في الدّين ولا في نُصوصه بحسبهم، إنَّما في اللُغة المُستخدَمة لإيصاله للناس. وكأنّ السّيسي يُريد مُراجعة الكلام الّذي يقوله الشُّيوخ لا النُّصوص الّتي يعتمد عليها الشُّيوخ ورِجَال الدّين، وكأنّ المشكلة تواصليّة بحتة؛ فالخطاب المُستخدَم قديم ولا يُناسِب العصر، وعلى القيّمين على المجال الدّيني أن يُجدّدوه بحيث يُلائِم العصر. وهنا تكمُن المُشكلة وهِيَ أنَّ المُسلمين لم يشخِّصوا المرض ولم يعرفوا جُذوره حتى الآن.

التّشخيص الصّحيح قبل الإصلاح

قبل إيجاد حل لأيّ مشكلة، وقبل إصلاح أيّ عَطَب، وقبل عِلاج أيّ مرض، ينبغي أن يتمَّ تشخيص المرض أوّلًا، وتحديد مكان العطب، وتحديد المُشكلة ومكان وُجودها. هل المُشكلة في النّصوص الدّينيّة نفسها؟ أم المشكلة فقط في رِجال الدّين؟ هل المشكلة هِيَ جوهر الدّين الإسلاميّ أم الخطاب الّذي يصل من خلاله هَذَا الدّين، وبالتّالي تطبيق هذا الدّين على أرض الواقع؟ طِيلة أربعة عشر قرنًا يقع اللوم دائِمًا على التّطبيق والخِطاب ويتم إعفاء الدّين في نُصوصه الأصليّة من أيّ مسؤوليّة. إنَّ كُلّ الّذين يُحاولون الإصلاح اليوم يُلقون باللائِمة على الفُقهاء والمُحدثين والمُفسِّرين ولا يرمون اللوم على النُّصوص الدّينيّة نفسها، بل حتى الّذين تجرّأوا لاموا "التّراث الإسلامي"! وهِيَ لفظة عامّة يتجنّب مُستخدِموها مُصطلحات دقيقة حتى لا يقعوا في الحرج، فالتُّراث الإسلاميّ كلمة مطاطة يُمكن أن تحوي كُلَّ شيء ولا شيء، بل حتى الّذين حدّدوا استطاعوا أن يتجرّأوا فقط على أشخاص محدودين مثل ابن تيميّة والبُخاري ومُسلم وابن إسحاق ووقفوا عند ذلك الحد؛ وقفوا عند الخط الأحمر الفاصِل الّذي لو تعدّوه سيقعون في دائِرة الكُفر لا محالة.

فهل الغزو والسّبي والجهاد وتطبيق الحُدود من قطع وجلد ورجم، وهل تطبيق الشّريعة الإسلاميّة كقانون للدّولة يُمثِّل مُشكلة في الخطاب أم مشكلة في الدّين نفسه؟ ألم يكن محمّد نفسُه حَاكِمًا دُنيويّا ورَجُل دين؟ أليس مِلك اليمين والجهاد وقِتال الكفار وأهل الكتاب من النُّصوص القطعيّة؟ فلماذا يتمُّ لومَ الخطاب ولا يستطيع شخصٌ أن يوجِّه أيَّ لوم للنُّصوص نفسها؟ لن يستطيع المسلمون إصلاح أيّ شيء ما لم يمتلكوا الشّجاعة لتشخيص المشكلة والاعتراف بأنَّ هُناك مُشكلة في النّص القرآني نفسه لا في التّطبيق أو في الخطاب فحسب، لأنَّه على مدى أربعة عشر قرن من الزمان لا يُمكن أن تكون المُشكلة دائمًا في التّطبيق لا في النّظريّة! إنَّ كُلَّ نظريّة تتعرّض لفشل مُستمر كهَذَا في إنتاج مُجتمع فَاضِل هَذِه المُدّة الطّويلة من الزمن تحتاج إلى مُراجعة جِذريّة.

هل الأديان كُلُّها قَابِلة للإصلاح؟

المُروِّجون لنظريّة إصلاح الإسلام يعتمدون على نجاح التّجربة المسيحيّة في أوروبا في القرن السّادِس عشر في إصلاح المسيحيّة ووضع حَدٍ لسيطرة رجال الدّين على المُجتمع واستغلال الدّين والسُّلطة في آن واحِد. يقولون: بما أن المسيحيّة نجحت في تجربة الإصلاح، فالإسلام أيضًا يُمكنه أن يمُرَّ من نفس التّجربة. إنَّ الفارِق في نظرِهم هُوَ العُنصر الزّمنيّ فقط، وكأنَّ أوروبا سبقت الشّرق الأوسط بخمسة قُرون، ولذلك فالعالم الإسلاميّ –من وجهة نظرهم- ما زال يعيش ما عاشته أوروبا من قبل. فالإصلاح في نظرهم قادِم لا محالة، وسينجح بدُون أدنى شك. إنَّ كُلَّ الأديان في نظرهم قَابِلة للإصلاح، وتمر عبر مراحل لتصل إلى الإصلاح، والإسلام لن يكون استثناء من هذه القاعدة.

نعلمُ عِلم اليقين من التّجارب العلميّة أنَّه إذا أردنا أن نحصل على نفس النّتائج، علينا أن نُجري التّجربة على نفس العناصر وفي نفس الظُّروف وإلا فلن نحصل على نفس النّتائج. وعليه، لا يكفي أن يكون الإسلام دِينًا مِثل المسيحيّة في التّصنيف لكي نحصل على نفس النّتائج، فالمُتبّنون لفِكرة الإصلاح في هَذِه الحالة يفترضون أنَّ الإسلام مِثل المسيحيّة، وظُروف العالم الإسلاميّ مُشابِهة لأوروبا في القرن الخامِس عشر، أمَّا الواقِع فيقول غير ذلك، فالإسلام ليس هُوَ المسيحيّة وأوروبا ليست هِيَ العالم الإسلاميّ، وهناك عناصر أُخرى غير موجودة في المُعادلة الإسلاميّة، وبالتّالي فإنَّ كُلّ تجربة إصلاح للإسلام ستفشل، لا محالة، في إعطاء نفس النّتائج.

اختلافات جوهريّة تعيق الإصلاح

إنَّ أوّلَ اختلاف بين التّجربة المسيحيّة مع التّجربة الإسلاميّة الّتي نعيشها هَذِه الأيام هِيَ الدّين نفسه، فالمسيحيّة حتمًا ليست هِيَ الإسلام، فأوَّلًا: المسيحيّة تنظر للوحيّ على أنَّه أمرٌ مرن، فيه الجانِب الإنسانيّ والجانِب الإلهيّ. الجانِب الإنسانيّ خاضِعٌ لتغيُّر الظُّروف وخَاضِع كذلك للخلفيّات السِّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والدّينيّة، وبالتّالي حين تتغيّر الظُّروف يتغيّر تطبيق هَذِه النُّصوص. الثّوابت في المسيحيّة هِي المبادئ الكُبرى والوصايا العشر فقط. المبادئ الكُبرى مِثل مبدأ المحبّة مبدأ ثَابِت لا يتغيّر، عدا ذلك هناك نُصوص يختلفُ تطبيقُها من عصر لآخر لأنَّها مُتأثِّرة بالظُّروف الّتي كُتبت فيها. لكن نظرة الإسلام للوحيّ نظرةٌ حرفيّة، فهُوَ وحي إلهيّ بحت جاء من السّماء إلى الأرض، وما النّبي إلا مُجرّد مُبلغ لا دخل له في الوحي على الإطلاق سوى التّبليغ. وبالتّالي فالنّص غير خَاضِع للظُّروف ولا للخلفيّات السّياسيّة أو الاجتماعيّة أو الدّينيّة، وحتى مع وجود أسباب النّزول فالعِبرة في عُموم اللفظ لا في خُصوص السّبب. وبالتّالي فهُوَ صَالِح لكُلِّ زمان ومكان، هَذِه الخاصيّة لوحدها تقف كحجر عثرة أمام فكرة الإصلاح.

إضافة إلى ذلك نجد أنّ النّصوص الإسلاميّة نسجت حائِطًا عازِلًا ضِدَّ الإصلاح، حائِطًا يمنع أيَّ شيء جديد، فكُلُّ مُحدثة بِدعة، وكُلُّ بِدعة ضلالة، وكُلُّ ضلالة في النّار. وأضاف الفقهاء أيضًا بعضَ القواعد منها أنَّه لا اجتهاد مع النّص، خُصوصا النّص القطعيّ الدّلالة والقطعيّ الثّبوت. هَذِه النّصوص والقواعد تجعل الإصلاح مُستحيلا لأنَّها تترك فقط الفتات للفُقهاء كي يجتهدوا فيه، بينما المسيحيّة تمسكت بالمبادئ الكُبرى فقط وتركت كُلَّ المساحة والحُريّة لرِجال الدّين واللاهوتيّين في استخراج الباقي.

أمّا ثاني اختلاف فهُو أنَّ محمّدًا ليس كالمسيح؛ فالمسيح كان داعيّة في المجال الدّينيّ فقط ولم يكن رَجُل دولة، فقد قال "مملكتي ليست من هَذَا العالم"، وقال أيضًا: "أعطوا لقيصر ما لقيصر، وما لله أعطوه لله". وبالتّالي كانت مسألة الفصل بين الدّينيّ والدّنيويّ سهلة إلى حدٍّ كبير عند المسيحيّين، لأنَّ سِيرة المسيح سهّلت عليهم الأمر جِدًا وأعطتهم الأُسس الّتي بنوا عليها العلمانيّة لفصل الدّين عن الدّولة، والعلمانيّة كفِكرة نَابِعة من المسيحيّة إذ لم تُولَد خارجها كما يدّعي البعض، فالمُنظِّر الأوّل لها هُوَ الكالفينيّ جون لوك، الّذي تبنى بعضَ أفكار المُصلحين (نظير جون كالفن)، ثُمَّ خرج بنظريّة جديدة وهِيَ ضرورة فصل الدّين عن الدّولة. أمّا محمّد فقد كان رَجُل دين ودولة، وأحاديثه أسّست لمسألة الخِلافة، والخُلفاء من بعده ساروا على هَذَا النّهج إذ جمعوا بين السُّلطتيْن الدّينيّة والدّنيويّة، فكانوا أُمراء المُؤمنين ورؤساء الدّولة الإسلاميّة في نفس الوقت. ومازال هَذَا الأمر مُستمرًّا إلى اليوم في الكثير من البُلدان الإسلاميّة؛ تحالُف الحَاكِم ورَجُل الدّين في بُلدان مِثل مصر (مُؤسسة الرّئاسة والأزهر)، أو اجتماع السُّلطتيْن في يد واحِدة مِثل حالة المغرب (إذ الملك هُناك هُوَ أمير المؤمنين) والأردن (الملك هاشميّ من سُلالة النّبي)، وفي السُّعوديّة (إذ الملك هو خادِم الحرميْن).

بِناء على ما سبق ستبقى مسألة الإصلاح والفصل بين الدّين والدّولة مسألةً صعبة، لأنَّها تبدو مُخالفة للسِيرة المُحمديّة ومُخالفة للقرآن وللسُّنة ولسُّنة الخُلفاء من بعد النّبيّ. فوق هَذَا كله، نجد أنَّ المسيح لم يغزُ ولم يسبِ أحدًا أمّا محمّد فقد قام بالغزو والسّبي، وبالتّالي فالمُقلِّدون له ولسِيرته يقومون فقط بما قام به ولذلك إذا أراد شخصٌ الإصلاح فإنَّه سيقع في مأزق لأنَّ ذلك يعني مُخالفة النّبيّ، فالإرهابيّ الّذي مازال يُريد الجِهاد والقتل والسّبيّ يُعتبر مُطبِّقًا للدّين لا مُشوّهًا له لأنّه لم يقُم بأيّ شيء مُخالِف للسِّيرة النّبويّة، هَذِه المسألة وحدها تجعل أمرَ إصلاح الإسلام صعبًا على الّذين يُحاولون ذلك، عليهم اختراع سِيرة جديدة لكي يقوموا بالإصلاح، أمّا السّيرة الحاليّة فهِيَ ليست في صَالِحهم على الإطلاق.

ويمكن تلخيص الإصلاح المسيحيّ لمارتن لوثر في "الوحديات الثّلاث" الكتاب وحده، الإيمان وحده، والنّعمة وحدها. طَالَب لوثر الكنيسة بالتّخلُّص من كُلِّ الإضافات الّتي أضافها رِجال الدّين في تقاليدهم الكنسيّة والتّمسُّك بالكتاب وحده، لأنَّ تلك الإضافات هِيَ الّتي تعطيهم السُّلطة أمّا الكتاب المُقدَّس فيسحبها منهم. وبِناء عليه، فالمُؤمن ينال الغُفران بالإيمان وحده لا بالصُّكوك الّتي يبيعونها، وبالنّعمة وحدها يتمُّ خلاصُه لا بالاستحقاق الذاتيّ. وبالتّالي، لا يتطلّب ذلك من الإنسان أن يُعطي أمواله لرِجال الدّين كي يستحق الخلاص، ولا يملك رِجال الدّين الحَقَّ في إعطاء النّاس الخلاص أو الغُفران، لأنَّه نِعمة إلهيّة. لو طبق المُصلحون المُسلمون فِكرة النّص وحده "بحديثه وقرآنه" لخرج لنا الإصلاح بالسّلفيّة الوهابيّة، فالسّلفيّة هِيَ العودة للسّلف، أي العودة للأصول بعيدًا عن التّقاليد والإسلام الشّعبيّ الّذي أُضيف إليه الفلكلور والكثير من الأمور الّتي ليست منه. وهَذَا عين ما فعله محمد بن عبد الوهاب، وهَذَا ما يُطالِب به السّلفيّون! إذن، إذا تَمَّ الإصلاح في الإسلام على طريقة مارتن لوثر سيُنتج لنا سلفيّة وهابيّة مُتطرِّفة.

أسئلة حول المصلحين والقاعدة الشّعبيّة

حتى لو سلّمنا بإمكانيّة إصلاح الإسلام، فإنَّنا لن نجد مصلحين في الإسلام اليوم. هناك مُحاولات خجولة من أشخاص أمثال إسلام البحيري، وعدنان إبراهيم، وأحمد صبحي منصور، وحسن فرحان المالكي، ومحمد شحرور وغيرهم. كُلُّ هؤلاء ليست لديهم قاعدة شعبيّة عريضة يعتمدون عليها. مازال السّلفيّون يكتسحونهم من ناحية القاعدة الشّعبيّة. نظرة سريعة على مواقع التّواصل الاجتماعي تجعل الإنسان يُدرك الفرق الكبير بين "المُصلحين" و "السّلفيّين"؛ فالشّيخ العريفي مثلا لديه حوالي 20 مليون مُتابع على تويتر، بينما عدنان إبراهيم لم يتعدَّ عدد مُتابعيه النّصف مليون. هَذَا مُجرّد مثال بسيط، وقِس عليه بالنّسبة للآخرين. إنَّ مارتن لوثر كانت لديه قاعدة شعبيّة واسِعة، لأنه كان في صف الشّعب الّذي ضاق ذَرعًا برِجال الدّين الآخرين. لقد تحدّث مارتن لوثر تحدث باسم الشّعب الّذي كان مُتديّنًا لكنه كان ضِد رِجال الدّين لأنَّهم يستغلون الشّعب. لقد احتكروا التّفسير الدّينيّ واحتكروا الوعظ وحتى قراءة النّصوص. كان الشّعبُ أُميّا من النّاحيّة الدّينيّة فترجم مارتن لوثر الكتاب المُقدَّس للعاميّة المُبسَّطة وجعل الإنجيل في متناول الإنسان العاديّ ليقرأ بنفسه فيرى كذب رِجال الدّين عليه لأنَّهم يأمرونه بفعل أشياء غير موجودة في الإنجيل، فنجح. لقد نجح لُوثر في كسب الجماهير، وهَذِه الخاصيّة غير مُتوفرة الآن في العالم الإسلاميّ.

إنَّ كُلَّ الّذين يُحاولون الإصلاح هُم أنفسُهم يُعدَّون مُرتدين وكُفّارًا عند الأغلبيّة، ولو تنافسَ المُصلحُ مع السّلفيّ عند الجماهير الإسلاميّة سيربح السّلفيّ بامتياز وسيخسر المُصلح. وأغلب جُمهور الّذين يدّعون الإصلاح هُم من المسيحيّين العرب الّذين يفرحون بكُلّ مُسلم يدعو إلى الحُريّة والحُقوق وخرج من عباءة الشّيوخ التّقليديّين، أو من العلمانيّين الّذين يُريدون فصل الدّين عن الدّولة، أو من اللادينيّين واللاأدريّين والملحدين، الّذين تركوا الإسلام جُملةً وتفصيلا ... وهؤلاء كُلُّهم مازالوا لا يُشكِّلون الأغلبيّة حتى اليوم. وهؤلاء ليسوا بحاجة للمُصلحين لأنَّهم تخلّصوا من الإسلام أصلا!

إنَّ القاعدة الشّعبيّة تُناصر الإسلام الرّاديكاليّ، القاعدة الشّعبيّة تُريد تطبيق الشّريعة الإسلاميّة بحسب الإحصائيات الّتي قام بها معهد بيو للأبحاث، هَذِه القاعدة تُريد قطع يد السّارق وقتل المُرتد وجلد شَارِب الخمر، ولا تؤمن بالحُرّيات الفرديّة، فكيف يريد مُدّعو الإصلاح أن يُصلحوا شيئا وأغلب المُنتمين إليه لا يروْن أنَّه يحتاج إصلاحا أصلًا بل يَروْن العكس تمامًا؟ لو وقع استفتاء اليوم في أغلب البلدان الإسلاميّة على تطبيق الشّريعة الإسلاميّة حرفيًا لربح السّلفيّون وخسر دُعاة الإصلاح. مارتن لوثر نجح لأنه فقط كان يحتاج إلى فضح رجال الدّين ولم يكن مُحتاجًا أن يقنع النّاس أنّ الدّين مُخالِف لما يفعله رجال الدّين، إذ ترك النّصوص تتحدّث بين يدي النّاس، تركهم يقرؤون بأنفسهم. لو قرأ اليوم النّاسُ القرآنَ مُبسَّطًا بأنفسهم بالعاميّة لكانوا أمام حلين لاثالِث لهما، إما أن يصيروا دواعش لأنهم سيكتشفون أنَّ النّص يأمرهم بالعُنف أمرًا مُباشِرًا، أو أن يتركوا الدّين كُلَّه لأنهم سيرون أنَّه لا يُلائِمهم ولا يتماشى مع رُوح العصر.

المشكل الآخر، أنَّ الإصلاح المسيحيّ لم يكن محصورًا في شخص مارتن لوثر، فقد كان هُناك زوينجلي في سويسرا، وجاء بعدهم كالفن في فرنسا، واستمر الإصلاح لمدة وصلت 130 سنة، كان هناك الكثيرون ممّن يُؤمنون بضرورة الإصلاح وكانوا رُوادا له. كان مارتن لوثر دقيقا في الأمور الّتي يُريد إصلاحها لخّصها في القضايا الـ 95 المشهورة، بينما في العالم الإسلاميّ هُناك تشرذُم وَاضِح حتى بين الّذين يدّعون الإصلاح، كُلٌّ يُغني على ليلاه. لا أحد لديه خطّة مُتكامِلة، كُلٌّ يتحدّث في جُزئيّة بسيطة وليس هناك منظومة تُحدِّد كُلَّ بنود الإصلاح المرجو. والأشخاص الّذي يُريدون الإصلاح لا يشتغلون في كُتلة وَاحِدة، كل واحد بمفرده يعتقد أنه سيكون مارتن لوثر الإسلام، كما صرح بذلك عدنان إبراهيم ذات مرّة عن نفسه.

ما الحلُ إذن؟

الحل هُوَ أن يخضع الإسلام لعمليّة تعطيل إجباريّة، فكما أجبر العالم الحُرّ المُسلمين على تعطيل ملك اليمين، لا إيمانًا منهم ولا بإرادتهم ولا بمبادرة منهم ولا باجتهاداتهم في النّص إذ هو نص قطعيّ الثّبوت قطعيّ الدّلالة، هكذا أيضًا سيُجبرهم العالم على تعطيل الخلافة، وتعطيل الحدود وتعطيل حد الرِّدّة وتعطيل أحكام الإرث والأحوال الشّخصيّة، سيبقى فقط الجانب الطّقسي من الإسلام لا غير (الصلاة والصوم والحج وما إلى ذلك). سينكمش الإسلام غصبًا عنه، سيُجبره على ذلك الانكماش قانونُ الانتخاب الطّبيعيّ الّذي يسري في المُجتمعات.

إنَّ التّشابه الوحيد مع الإصلاح المسيحي أنَّ مارتن لوثر كان من حَظّه أنَّه جاء بعد ثورة في وسائل الاتّصال حصلت قبله بقليل إذ سبقه اختراعُ الطّابعة الّتي سهّلت عليه أمرَ طباعة اعتراضاته وتوزيعها في أوروبا كُلّها، ويسّرت عليه طباعة الإنجيل وتوزيعه أيضًا. لقد قرأ النّاسُ الإنجيل بأنفسهم وثاروا على رجال الدّين المُتسلّطين. ونفس الشّيء يحصل اليوم، فالأنترنت ومواقع التّواصُل الاجتماعيّ ستعجّل بتعطيل الإسلام في شِقّه السّياسيّ العنيف. كثيرون يتركون الإسلام اليوم جُملة وتفصيلًا بعدما قرؤوا النُّصوص بأنفسهم، النُّصوص الّتي لم تعُد حِكرًا على رَجُل الدّين يُفسِّرها كما شاء ويفتي من خلالها، صار كُلُّ شخص بإمكانه أن يقرأ بنفسه النّص وأن يُفسِّره وأن ينتقده. وكثيرون يتركون الجانب العنيف منه ويبقون على الانتماء الثّقافيّ أو الشّعبيّ والطّقسيّ، والبعض بطبيعة الحال يتمسّك به حرفيًا فيتحوّل إلى إرهابيّ، لكن هؤلاء سيتضاءل عددُهم يومًا فيوم بفِعل قانون الانتخاب الطّبيعيّ أيضًا، سيربح العقلُ والمنطقُ وستنتصرُ الحريّة. قد يتطلّب ذلك الكفاح جهدًا وتضحياتٍ ووقتًا، لكنه حَاصِل لا محالة، في الأخير سيُجبَر الإسلام على الانصياع لعجلة التّاريخ، والتّاريخ لا يرحم!

 

 في المغرب، يؤيِّد 83 في المائة تطبيق الشّريعة، وفي مصر يؤيِّدها 74 في المائة http://www.pewforum.org/2013/04/30/the-worlds-muslims-religion-politics-society-beliefs-about-sharia/

 

Related

Share

Rating

7.20 ( 5 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث