أحدث المقالات

الأسطوانة المشروخة

الأسطوانة المشروخة

كريمة كمال

تساءل البعض عن حالة الغضب التى استعرت خارج الكاتدرائية بعد المذبحة التى ولدها التفجير.. لم يفهم البعض هذا الغضب ولم يفهم البعض الآخر لماذا الاعتداء على بعض الإعلاميين رغم حقيقة اختلافهم.. لم يفهم الناس أن الحزن العادى الناتج من فقد حبيب ينتج عن إحساس بالفقد، أما هنا فلم نكن أمام حالة حزن تخرس الألسنة وتسقط الدموع. نحن أمام حالة يذهب فيها العقل ليس فقط بحكم المشهد داخل الكنيسة المحطمة وقد اختلطت الدماء بالرؤوس وبقايا الأذرع والأرجل، واختلط خشب الآرائك ببقايا البشر.. ولكن أيضا اختلاط المشاهد كل المشاهد، من مشهد كنيسة القديسين إلى مشهد مذبحة ماسبيرو.. من الماريناب إلى أطفيح، من الكشح إلى العامرية، من ملاحقة الأطفال بتهمة ازدراء الأديان إلى سجن المعلمة المسيحية بنفس التهمة، بينما شيوخ السلفية يكفّرون الأقباط ليل نهار دون أن تمسهم يد قانون ازدراء الأديان.. من المنيا إلى أسيوط إلى سوهاج، من قرية هنا إلى قرية هناك، من حرق هنا لمنازل الأقباط لتهجير هناك للأقباط، من حرق كنيسة هنا إلى منع بناء أخرى هناك.. من سيدة تتم تعريتها فى المنيا إلى ناظرة مدرسة يتم شلحها بعد تعيينها للاعتراض لكونها مسيحية.. من كتب تعليمية تعلم الأطفال أن المسيحيين كفار إلى شيوخ يعتلون المنابر كل أسبوع ليلعنوا اليهود والنصارى.. سنوات وسنوات وحادث تلو الآخر والدولة ليست غائبة بل متواطئة، وأنا وأخويا على ابن عمى وقعدات عرفية تجبر الطرف الأضعف على الصلح والصمت، وكنيسة ضغطت من أجل الوطن حتى صار الوطن صليب الأقباط.

الأسوأ عدم الاعتراف، فبعد كل مذبحة يخرج علينا الإعلام بنفس الأسطوانة المشروخة ونفس الكذبة التى يعلم الجميع أنها كذبة.. الحديث عن أن الإرهاب يطال الجميع وهكذا، فبعد مذبحة البطرسية خرج الإعلام ليقول «بعد استهداف المسجد فى الهرم قبلها بساعات الإرهاب يستهدف الكنيسة».. رغم أن الكل يعلم أن الإرهاب لم يستهدف المسجد وإنما استهدف كمين شرطة قريبا من المسجد.. وبنفس التزييف يخرج الجميع ليؤكد أن المذبحة ليست طائفية رغم أن الجميع يعلم أنها طائفية بامتياز، فالإرهاب لا يغتال المسلمين وإنما يغتال أفراد الجيش والشرطة والنائب العام والقضاة، لأنه فى خصومة مع هؤلاء منذ ثلاثين يونيه.. وهو يفجرالكنائس ويحرقها ويدمرها لأنه فى خصومة دائمة مع الأقباط... وإذا كان الإخوان والطوائف المتشددة قد استهدفوا الأقباط أكثر من بعد ثلاثين يونيه فإن السلفيين المتحالفين مع الدولة منذ ثلاثين يونيه فى خصومة دائمة مع الأقباط واستهداف دائم لهم.. إذن فإن تصوير الأمر بأن المسجد والكنيسة هدف للإرهاب والإرهابيين هو تصوير زائف.

إن الإصرار على تزييف الحقائق هو الذى يزيد من غضب المكلوم.. إن الإصرار على أن المسيحيين فى مصر ليسوا مستهدفين وحدهم هو الذى يشعرهم أن الأمور ستسير على نفس المنوال وبنفس الطريقة بعد أن نغلق أبواب القبور.. وأن الدولة سوف تغمض عينها عن المدرس الذى استهدف الأطفال المسيحيين بل سوف تسمح بأن تطالهم يد العدالة إلى حد صدور أحكام بالحبس.. بل إن الدولة سوف تفعل نفس ما فعلته من قبل إذا ما تم هدم الكنائس وحرق بيوت المسيحيين، سوف تتدخل لتقضى بتهجير المسيحيين من أرضهم وبيوتهم لتستقر الأمور.. سوف تستمر الدولة فى القبض على المسيحيين والمسلمين معا بعد أى فتنة حتى لو كان واضحا للجميع أن المسيحيين مجنى عليهم، لكنها لا يمكنها أن تقبض على المسلمين وحدهم.. ستغض الدولة الطرف عن كل ما يطال الأقباط من تكفير وما يصدر من ميكروفونات المساجد بحقهم.. ستعود الدولة لوتيرتها المعتادة حتى نعود لنفتح القبور مرة أخرى لنعود نسمع نفس التزييف ولىّ الحقائق الظاهرة لكل الأعين.

نعم المشهد فى الداخل كان أكثر من بشع لكن الأبشع منه أننا أمام كل هذه البشاعة نعيد إنتاج خطاب قديم مزيف ولا نتحرك لنوقف سيل الكراهية، ولا نتوقف لنضع حدا للتمييز، ولا نعيد النظر فى كتبنا المدرسية وخطبنا الدينية ولا نقرر أن تكون الدولة دولة الجميع تطبق القانون على الجميع وتنتصر للضحية، ونتوقف عن الحديث عن الوحدة الوطنية ونعمل على أن يصل القبطى لكل المناصب ولا يمنع من بعضها لأنه قبطى.. الأبشع من هذا المشهد الدامى أن نغلق القبور ببضع كلمات ونترك الواقع كما هو لنعود نفتحها مرة أخرى بعد أيام وربما بعد ساعات

نقلا عن المصرى اليوم

Related

Share

Rating

3.00 ( 2 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث