الأنصار... فاعلون أساسيون في تأسيس الإسلام ومهمشون بعد انتصاره - مقالات
أحدث المقالات

الأنصار... فاعلون أساسيون في تأسيس الإسلام ومهمشون بعد انتصاره

الأنصار... فاعلون أساسيون في تأسيس الإسلام ومهمشون بعد انتصاره

حامد فتحي

هل يمكن تخيّل مجرى التاريخ الإسلامي إنْ لم يقم هؤلاء النفر من أهل يثرب بمبايعة النبي محمد على نصرته؟ لو تتبعنا التاريخ، لجاز القول إن النبي ما كان ليهاجر إلى يثرب لولا بيعتي العقبة، ولظلت دعوة الإسلام حبيسة مكة، بعدما لم يوفَّق في دعوة أهل الطائف.

وربما ما كان للإسلام أن يبقى إذا علمنا أن مجمل مَن استجابوا لدعوة النبي من أهل مكة حتى يوم الهجرة لم يتعدَّ 154 رجلاً وامرأة.

ما سبق هو توضيح للدور البالغ الأهمية للأنصار في نصرة الإسلام. لكن يبدو أن مجريات التاريخ الإسلامي تتنكر لهذا الدور، إذ نجد أن الحكم والمناصب الهامة كانت بيد أهل قريش، خصوصاً مَن تأخروا في إسلامهم، بل مَن حام الشك حول صدق إيمانهم، بينما لا نجد للأنصار أي دور سياسي، أو إنتاج علمي يتناسب مع أهميتهم. فهل تعرّضوا للتهميش؟ وهل هناك أسباب موضوعية وأخرى أيديولوجية وراء ذلك؟

مَن هم الأنصار؟ ولماذا ناصروا النبي؟

الأنصار هي تسمية أُطلقت على سكان يثرب الذين آمنوا بالنبي محمد ونصروه، ودعوه للهجرة إلى مدينتهم.

بدأ الاتصال بينهم في موسم الحج في مكة، حين عرض النبي على عدد منهم الإسلام فقبلوه، قبل أن تنتشر الدعوة منهم إلى إخوانهم، ليأتي 12 شخصاً منهم للقاء النبي، ويبايعونه على النصرة في ما عرف ببيعة العقبة الأولى، ثم لاحقاً حضر بيعة العقبة الثانية 73 شخصاً، لتكتمل الجهود بهجرة النبي إليهم.

يذكر خليل عبد الكريم في كتابه "شدو الربابة بأحوال مجتمع الصحابة" الأسباب التي جعلت النبي يختار يثرب كوجهة للهجرة ومنها: وجود أخواله بن النجار من الخزرج، ما يضمن دعم قبلي لشخصه، بجانب انقسام يثرب بين الأوس والخزرج، ما يضمن عدم اتحادهم ضده مثلما كانت قريش متحدة ضد الدعوة، وأخيراً لأن الأنصار أرقى حضارياً من أهل مكة، لاختلاطهم باليهود، وتسرّب فكرة النبوة إليهم من خلال هؤلاء.

ومن المعلوم للجميع الدور الإيجابي للأنصار في دعم الإسلام، والذي وصل إلى حد مشاركة المهاجرين أموالهم وبيوتهم. وذكرت مرويات التنازل عن بعض الزوجات لهم في ما عرف "بالمؤاخاة" بجانب حمايتهم، ثم المشاركة بفعالية في كل معارك وحروب النبي، ثم لاحقاً في حروب الردة، ثم في التوسعات العسكرية.

العلاقة بين المهاجرين والأنصار في حياة النبي

بعيداً عن التصورات الملائكية عن مجتمع الصحابة، يمكن رصد حياة طبيعية لمجموعة بشرية تتفاعل وتتعاون وتتباغض وتشكل مصالح خاصة وتكتنفها مخاوف متبادلة.

لم تكن علاقة مجموعة المهاجرين الآخذة في النمو بزعامة النبي محمد مع أهل يثرب الأنصار تسير بإيجابية دائماً، بل كانت هناك صورة أخرى من الخلافات، وبدأ هذا الوضع مع النبي ذاته الذي لم يكن يأمن جانب الأنصار في بداية نزوله في مدينتهم.

يقول الباحث في الدراسات الدينية هاني عمارة لرصيف22: "باستثناء تولية معاذ بن جبل على اليمن، وزياد بن لبيد على حضرموت، لا نجد ولاة أو عمال أو قادة جيوش من الأنصار في حياة النبي، بل نجد أن أغلب القادة من المهاجرين".

ويدعم خليل عبد الكريم هذا الرأي بقوله إن محمداً كانت لديه شكوك حول الأنصار، وبناء على ذلك لم يشركهم في الغزوات حتى غزوة بدر. وفي أغلب المرات التي خرج فيها من المدينة لم يؤمر عليها أنصارياً، إلا مرة واحدة حين ولى سعد بن عبادة الخزرجي، ولم يكررها.

ويذكر عمارة أن النبي لم يمنح الأنصار شيئاً من غنائم غزوة حنين الكثيرة، بينما منح المهاجرين والمسلمين الجدد من أهل مكة، فحزّ ذلك في نفوسهم، وخاطبوا النبي بشأنه.

ويرى عمارة أن انقياد الأنصار للنبي جعله يأمن جانبهم، فلم يسعَ لتأليف قلوبهم بالمال، كما كان يفعل مع أهل مكة ممّن دخلوا الإسلام حديثاً، بجانب أنه أحب تعويض أهل مكة عن خسارة تجارتهم.

ويشير عبد الكريم في كتابه إلى أن منع الأنصار من الغنائم بدأ منذ غزوة بدر، ثم تكرر مع توزيع أموال بني النضير.

وحدثت مشاحنات بين الأنصار والمهاجرين، فلم يكن كل أهل المدينة مرحبين بالنبي والمهاجرين. وبعيداً عن اليهود المتوجسين من النبي، لم يرحّب بمحمد بعض سادة الأنصار مثل عبد الله بن أبي سلول الذي كاد أن يتوج ملكاً على الأنصار لولا قدوم النبي، ومثل أبو عامر الراهب الأوسي الذي عارض النبي من منطلق ديني، فقد كان حنيفياً ولم يصدق بنبوة محمد، وفق كتاب عبد الكريم.