كيف تتلمذ مؤسّسو المذاهب الإسلامية على يد بعضهم البعض؟ - مقالات
أحدث المقالات

كيف تتلمذ مؤسّسو المذاهب الإسلامية على يد بعضهم البعض؟

كيف تتلمذ مؤسّسو المذاهب الإسلامية على يد بعضهم البعض؟

محمد يسري:

 

حظيت الحضارة العربيّة الإسلاميّة عبر القرون، بقدرٍ هائلٍ من التنوّع والاختلاف المذهبي والعلمي، بحيث ظهرت العديد من المذاهب والمعتقدات والاتجاهات الفكريّة المختلفة، والتي تعايش أصحابها ومؤسّسوها مع بعضهم البعض في أجواءٍ وديّة وتسامحيّة إلى أبعد حد.

هناك الكثير من النماذج التي تبيّن كيف تبادل المؤسّسون للمذاهب الاعتقاديّة والفقهيّة، خبراتهم طوال الوقت، وكيف أنهم قد تتلمذوا على يد بعضهم البعض، دون أن يجدوا في ذلك أي مشكلةٍ أو نقيصةٍ تقلّل من مكانتهم العلمّية في عيون أنصارهم وأتباعهم.هذا الطابع التعددي التسامحي، أتاح الفرصة لنقل الخبرات العلميّة بين الأطراف المختلفة، دون التقيّد بشروط اتباع المذهب أو الاعتقاد، وهو ما تسبّب في إثراء الحالة المعرفيّة بشكلٍ عام.

واصل بن عطاء

يُعتبر واصل بن عطاء المخزومي (تـ. 131هـ)، أحد الآباء الأوائل للفكر المعتزلي، والذي لطالما وُصف بأنه الفكر الأكثر عقلانيّة في الإسلام.

واصل، كان في بداياته تلميذاً نجيباً في حلقة علم الإمام الحسن البصري (تـ. 110هـ)، والذي كان بدوره من أهمِّ القامات العلميّة في مذهب أهل السنّة والجماعة.

بحسب الرواية المشهورة، والتي يذكرها أبو الفتح عبد الكريم الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل"، فأن ظهور الإشارات الأولى للفكر المعتزلي على يد واصل، قد وقع في حلقة درس الحسن البصري نفسه، فعندما دخل رجل وسأل الحسن عن رأيه في حكم مرتكب الكبيرة، وهل هو مؤمنٌ أم كافرٌ، فأن واصل قد سارع بالإجابة أثناء تفكير أستاذه، فقال إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمنٍ مطلقاً، ولا بكافرٍ مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ثم قام واصل وترك حلقة الحسن، وقعد في مكانٍ بعيدٍ في المسجد، فقال الحسن البصري وقتها "اعتزلنا واصل"، ومن هنا أُطلق اسم المعتزلة على واصل بن عطاء وأصحابه ممن أنتهج منهجه وسلك مسلكه.

رغم شهرة تلك الرواية، وتواترها في المصادر التاريخيّة الإسلاميّة، إلا أنها من الروايات المشكوك في صحّتها وموثوقيّتها، ومع ذلك فمما لا شك فيه أن واصل قد تلقى الكثير من معارفه وعلومه الأوليّة على يد شيخه الحسن البصري.

أبو حنيفة النعمان

يُعتبر أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي (تـ. 150هـ)، واحداً من أشهر الفقهاء والعلماء عند أهل السنّة والجماعة، حيث يُعدّ صاحب المذهب الفقهي الأقدم من بين المذاهب الفقهيّة السنيّة الأربعة.

من الأمور التي لا يعرفها الكثير من المسلمين اليوم، أن أبا حنيفة قد تتلمذ على يد بعض العلماء الكبار من أهل البيت النبوي، وبالأخصِّ على يد كلٍّ من محمد بن علي الباقر (تـ. 114هـ) وابنه جعفر الصادق (تـ. 148هـ)، وهما على الترتيب، الإمامان الخامس والسادس بحسب المعتقد الشيعي الإمامي الاثني عشري.

الكثير من الكتابات التاريخيّة، تروي أن أبا حنيفة قد درس لبعض الوقت على يد الباقر والصادق، وتذكر بعض تلك المصادر ومنها "مختصر التحفة الاثني عشريّة" لشاه عبد العزيز غلام حكيم الدهلوي، أن أبا حنيفة كان يعترف بأهمية الفترة التي قضاها في معيّة أئمة آل البيت، فكان يقول "لولا السنتان لهلك النعمان"، مُشيراً للفترة التي تتلمذ فيها على يد الإمامين، كما قال في موضع أخر "ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمد"، وذلك بحسب ما يذكر الحافظ المزي في كتابه "تهذيب الكمال في أسماء الرجال".

من المهم هنا الإشارة إلى أن اعتراف أبي حنيفة بعلم الباقر والصادق، لا يعني أنه قد تابعهما في المباني الفقهيّة التي اعتمدوها وقالوا بها، حيث تتحدّث الكثير من المصادر التاريخيّة عن مخالفته لهما فيما يتعلّق بحجيّة القياس، وأن منهجه في الأخذ به كان يختلف بشكلٍ كاملٍ مع توجهاتهما الفكريّة التي رفضت الاعتماد على القياس.

محمد بن إدريس الشافعي

لا جدال في أن محمد بن إدريس الشافعي (تـ. 204هـ)، كان واحداً من أبرز العلماء في تاريخ أهل السنّة والجماعة.

الشافعي، هو مؤسّس المذهب الفقهي المُعتبر ثالثاً عند أهل السنّة، فضلاً عن كونه مؤسّس علم أصول الفقه، كما كان صاحب جهودٍ علميّةٍ متميزةٍ في ميادين التفسير والحديث.

الشافعي في بداية حياته، وقبل أن يختط خطه الفقهي المتمايز عن الآراء السائدة في عصره، تتلمذ على يد اثنين من أشهر العلماء المسلمين، وهما مالك بن أنس الأصبحي (تـ. 179هـ)، ومحمد بن الحسن الشيباني (تـ. 189هـ.(

يُعتبر الإمام مالك الأستاذ الأوّل للشافعي، حيث صحبه محمد بن إدريس لمدّة تسع سنوات كاملة، وهي الفترة التي هيّئت عقل الشافعي ومهّدته للنبوغ الفقهي فيما بعد.

الشافعي اعترف كثيراً بنبوغ مالك وبفضله العلمي، ومن ذلك ما أورده القاضي عياض في كتابه "ترتيب المدارك وتقريب المسالك" عندما يذكر قول الشافعي "إذا جاءك الأثر عن مالك فشدّ به يدك، وإذا جاء الخبر، فمالك النجم، وإذا ذُكر العلماء فمالك النجم، ولم يبلغ أحد في العلم مبلغ مالك لحفظه وإتقانه وصيانته، ومن أراد الحديث الصحيح فعليه بمالك".

ومع ذلك فإن الشافعي لم يتتلمذ على يد مالك وحده، بل إنه بعدما افترق عنه ذهب ليدرس عند محمد بن الحسن الشيباني، وكان واحداً من أعظم تلاميذ أبي حنيفة النعمان.

وعلى الرغم من كثرة المجادلات والنقاشات العلميّة التي كانت تدور في مجلس العلم بين الشافعي ومحمد بن الحسن، إلا أن الأوّل كان يعترف بفضل الثاني عليه في كلِّ مناسبة، ومن ذلك ما ذكره شمس الدين الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، عندما نقل عن الشافعي قوله في محمد بن الحسن "كتبت عنه وقرّ بختي وما ناظرت سميناً أذكى منه، ولو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلت لفصاحته".

من الغريب، أنه وعلى الرغم من تلك الأجواء الوديّة التي جمعت بين الشافعي وأساتذته، إلا أن نهايته قد وقعت بسبب التعصّب الأعمى من جانب بعض أتباع مالك، حيث يذكر ياقوت الحموي في كتابه "معجم الأدباء"، أن الشافعي لما كان بمصر دخل في بعض المناظرات العلميّة مع بعض المالكيّة، فانتصر عليهم، فغضب أحدهم ويدعى فتيان بن أبي السمح، وجمع مجموعةً من أتباعه وضربوا الشافعي ضرباً مبرّحاً، مات على إثره.

أحمد بن حنبل

يُعتبر أحمد بن حنبل واحداً من العلماء والفقهاء الأكثر تأثيراً في المجال السنّي بوجه عام، وفي تشكيل مدرسة أهل الحديث على وجه الخصوص.

ابن حنبل (تـ. 241هـ)، اشتهر بموقفه المعارض للتوجّه الاعتزالي الذي روّج لمسألة خلق القرآن في عهود كلٍّ من المأمون والمعتصم والواثق بالله، وثبت على موقفه حتى تولّى الخليفة المتوكّل على الله السلطة، فأبعد علماء المعتزلة وتولّى أهل السنّة ورفع مكانة ابن حنبل وأعلى مقامه.

من الجدير بالذكر أن ابن حنبل قد تلقّى علومه الأوليّة على يد عددٍ من كبار علماء عصره، من أمثال القاضي أبي يوسف ومحمد بن إدريس الشافعي.

أبو يوسف، كان من أعظم أصحاب فقيه الكوفة أبي حنيفة النعمان، وكان يقيم في بغداد، ويتولّى منصب القضاء في دولة الخليفة العبّاسي الأشهر هارون الرشيد، ويذكر الذهبي في سيره أن ابن حنبل قد تتلمذ على يد القاضي أبي يوسف لمدّة خمس سنواتٍ كاملة في شبابه، وأنه -أي ابن حنبل- كان يحضر مجلس أبي يوسف، فيسمع منه الحديث والأحكام الفقهيّة.

الأستاذ الثاني لابن حنبل كان الإمام الشافعي، حيث تتفق المصادر التاريخيّة مع بعضها البعض على التأكيد على العلاقة القويّة التي جمعت بين الرجلين، وعلى دراسة ابن حنبل على يد الشافعي أثناء زيارة الأخير لبغداد.

العلاقة بين ابن حنبل والشافعي لم تقتصر على علاقة التلميذ بأستاذه، بل تعدّت ذلك لتصل لشكل العلاقة بين التابع والمتبوع، أو المحب بالمحبوب.

يظهر ذلك في الكثير من الروايات التاريخيّة، ومن ذلك ما أورده أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة"، عندما ذكر أن ابن حنبل قد وصف الشافعي يوماً لابنه فقال عنه "يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس"، أيضاً يظهر إقبال ابن حنبل على أستاذه في رواية شهيرة يحكيها ابن كثير الدمشقي في كتابه "طبقات الشافعيّة"، حينما يذكر أن ابن حنبل كان يوماً مع صديقه يحيى بن معين، وكانا يتوجّهان لحلقة درس سفيان بن عيينة، وكان من كبار المحدّثين وقتها، وبينما هما مع بعضهما البعض مرّ الشافعي راكباً بغلته، فهرول ابن حنبل ماشياً بجوار البغلة ليسمع من الشافعي وليحدّثه.

فلما رجع، عاتبه يحيى وقال له كيف تركت سفيان بكلّ ما عنده من أحاديث وتبعت ذلك الفتى، فردّ عليه ابن حنبل قائلاً "اسكتْ، فإن فاتك حديث بعلوٍ تجده بنزولٍ لا يضرّك في دينك ولا في عقلك ولا بفهمك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف ألا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أحداً أفقه في كتاب الله من هذا الفتى القرشي".

الشيخ المفيد

كان عصر الدولة البويهيّة، الممتدّ على مدار النصف الثاني من القرن الرابع، والنصف الأوّل من القرن الخامس الهجريين، عصراً ذهبياً للتنوّع المذهبي في العراق، حيث كان من المتعارف عليه في ذلك العصر، أن نجد الفقيه السنّي يتلقى علومه على بعض المعتزلة، أو نجد الطالب الشيعي يتتلمذ على يد علماء الشافعيّة أو الحنفيّة، مما سمح بحالة فسيفسائيّة فريدة من التداخل والتأثير المتبادل بين المذاهب الإسلاميّة الكبرى وبعضها البعض.

أحد أشهر الأمثلة المعبّرة عن ذلك التنوّع المذهبي في الدراسة، محمد بن محمد بن النعمان العُكبري، المشهور باسم الشيخ المفيد (تـ. 413هـ.(

المُفيد، الذي صار فيما بعد واحداً من أشهر علماء الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة على مرّ التاريخ، كان قد اعتاد في شبابه أن يرتاد مجالس شيوخ بغداد الكبار، وأن ينهل من معارفهم بغضِّ النظر عن مذاهبهم، ولذلك تلقّى علومه الأوليّة على يد شيخ الحنفيّة، أبي عبد الله الحسين بن علي البصري المعروف بالجُعل، وأبي الحسين البصري المعتزلي المذهب.

من الأمور اللافتة للنظر، أن لقب الشيخ المفيد الذي حظي به محمد بن النعمان، واشتهر به بين العامّة والخاصّة، قد منحه إياه أحد العلماء المعتزلة المخالفين له في المذهب، حيث يذكر ابن إدريس الحلي في كتابه "السرائر والحرائر" أن أول من أطلق على الشيخ المفيد هذا اللقب، كان أستاذه المعتزلي علي بن عيسى الرماني، والذي أعجب بتلميذه وبحسن منطقه ومنهجه العلمي بعد أن غلبه في أحد المناظرات العلميّة.

رصيف 22

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث