أحدث المقالات

زيارة تاريخية للفاتيكان

زيارة تاريخية للفاتيكان

سالم الكتبي

يدرك أي باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية تحديداً القيمة النوعية الكبيرة للزيارة التي قام بها مؤخراً صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة حفظه الله إلى الفاتيكان، والتي التقى خلالها البابا فرنسيس بابا الفاتيكان؛ فالزيارة تنطوي على أبعاد ودلالات عميقة وهي دلالات ليست عابرة ولا طارئة، فالامارات منذ تأسيسها على يد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه تمثل نموذجاً للتسامح والتعايش بين الحضارات والأديان، وهي قيم تمثل ركائز حيوية ضمن منظومة القيم التي يرتكز عليها النموذج الاماراتي في التنمية الشاملة والمستدامة.

من هنا، لا يمكن أن يشكك أحد في سجل دولة الامارات على صعيد التسامج والتعايش، فهي قناعة وقيمة متجذرة على هذه الأرض الطيبة، ويشهد بها الواقع وتفاصيل الحياة اليومية، التي يتفاعل فيها بشر ينتمون إلى مختلف الديانات، ويحملون جنسيات اكثر من مائتي دولة من دول العالم.

أحد جوانب أهمية هذه الزيارة يكمن في التوقيت المهم، فهي تمثل أحد تجليات نموذج التعايش والتسامح والسعي إلى حوار ايجابي بناء بين الحضارات والثقافات في وقت يعاني فيها العالم جراء ارتفاع صوت دعاة الصراع والاحتراب الحضاري والانساني، ويواجه حرباً شرسة من أعداء الانسانية والحضارة من الارهابيين وغيرهم.

لا خلاف أيضاً على أن دولة الامارات من الدول الداعمة للأمن والاستقرار الدولي، وتبذل على هذا الصعيد جهود مكثفة، ومنها هذه الزيارة الرسمية المهمة، التي توظف سجل الامارات الحافل على الصعيد الانساني والثقافي في تشجيع مبادرات الحوار بين الأمم والشعوب وصولاً إلى عالم خال من العنف والارهاب وكافة أشكال ومظاهر المعاناة الانسانية.

إن قناعة دولة الامارات بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله بقيمة التسامح والتعايش الانساني تجسد في تخصيص وزارة للتسامح ضمن التشكيل الوزاري الحالي، فضلاً عن إصدار قانون مكافحة التمييز والكراهية، ناهيك عن دور الامارات الفاعل والمؤثر على صعيد المؤسسات والمنابر المتخصصة في دعم الحوار والتقارب الحضاري والانساني.

هذه الزيارة التاريخية لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان للفاتيكان، تمثل خطوة مهمة من جانب العالم العربي والاسلامي لتشجيع توجهات بابا الفاتيكان، الذي يمثل قيمة انسانية كبيرة ويتبنى مبادرات انسانية رائعة، ويبذل بدوره جهود مضنية لنزع فتيل التوتر ووأد دعوات الصراع الحضاري والديني في العالم. ولاشك أن العالم يحتاج في ظل المعطيات الراهنة، اقليمياً ودولياً، إلى صوت الحكمة والعقل كي يمكن البحث عن مخارج ودروب آمنة من الإشكاليات والأزمات المعقدة والمتفاقمة في مناطق شتى من العالم، وهي في مجملها أزمات تحتاج إلى تعاون وتضافر جهود الأطراف والقوى المحبة للسلام والأمن والاستقرار.

إن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يدرك حجم التحديات الاستراتيجية التي تواجه الأمن الاقليمي، ويدرك خطر هذه التحديات وتأثيرها المتنامي على الأمن والاستقرار العالمي، ومن ثم فهو يتحرك بوعي سياسي، اقليمياً ودولياً، بحثاً عن صيغ وتفاهمات تسهم في ايجاد مخارج لكل هذا الكم من الأزمات والصراعات، التي يعاني منها العالم أجمع، ومن هنا يمكن فهم واستيعاب تصريحات سموه التي أكد فيها أن دعم جهود السلم والأمن والاستقرار والتنمية في العالم يمثل أحد الأهداف الرئيسية لدولة الإمارات من منطلق إيمانها بأن تحقيق السلام والأمن هو المدخل الأساسي لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة لجميع شعوب العالم.

إن تجربة دولة الامارات العربية قد أكدت أن التنمية الشاملة تحتاج إلى تكريس ركائز الأمن والاستقرار، وتتطلب دعماً قوياً من منظومة قيم مجتمعية راسخة في مقدمتها التسامح والتعايش والوسطية والاعتدال، حتي يمكن توظيف الامكانيات البشرية المتاحة في تحقيق تنمية بشرية فاعلة ومستدامة. وقد أكدت هذه التجربة أيضاً أن التجارب التنموية الناجحة بحاجة إلى محيط من الأمن والاستقرار الاقليمي كي تواصل نموها وازدهارها، ففي ظل موجات ثورة المعلومات والاتصالات وتطبيقاتها وتجلياتها في مختلف مجالات الاعلام والاتصال، بات من الصعب بناء نموذج معزول سواء من التنمية الشامل الناجحة أو الفشل التنموي المدمر، فالعزلة لم تعد خياراً متاحاً، والتفاعل مع العالم بات أمراً لا فكاك منه في عصر العولمة، ومن ثم فإن تفادي تناقل أي تأثيرات سلبية للقيم الثقافية والانسانية، يستوجب العمل على نشر قيم التسامح والانفتاح والاعتدال والحوار في مختلف أرجاء العالم، كي يمكن بالفعل الحديث عن نوع من الامن والاستقرار الدولي.

إن جزء من قيم الامارات وواجباتها الدولية يتمثل في الاسهام جدياً في تكريس السلم والاستقرار، الأمر الذي يفسر الجهود المضنية التي تبذلها قيادتنا الرشيدة على محاور وصعد عدة، من أجل نزع فتيل الأزمات والدفع باتجاه تشجيع التنمية والعمل والانتاج باعتبارها مقومات أساسية وجوهرية للأمن والاستقرار في أي مجتمع من المجتمعات الانسانية.

زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولقائه بابا الفاتيكان، هي زيارة تاريخية وحوار مهم جاء في توقيت بالغ الأهمية، فالقيادتان تدركان قيمة الحوار بين الحضارات والثقافات، وتبذلان الكثير من أجل نشر هذه القيم النبيلة وتكريسها.

نقلا عن ايلاف

Related

Share

Rating

1.00 ( 1 reviews)

Post a Comment

الفئة
الكاتب
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث